محمد عبد الله دراز
245
دستور الأخلاق في القرآن
عن حماية صحتنا ، وحياتنا . حتّى إننا نستطيع أن نجد في كلّ لحظة من لحظات الحياة الإنسانية بعض المسئوليات ، وهي ليست افتراضية فحسب ، بل حاضرة وواقعية ، متى ما تحققت لها الشّروط العامة . ثمّ إنّ اختلاف المواقف لا تتدخل إلّا من أجل تخصيص ، وتحديد موضوع هذه المسؤولية . على أننا لا ينبغي أن نخلط هنا معنيين متميزين تماما للمسئولية ، فعلى قدر ما تكف الاعتبارات الخاصة عن التّدخل ( وهي من نوع ما سنراه بعد ) نبقى في مرحلة المسؤولية الطّبيعية ، الّتي هي مجرد طلب لموقف ، وكونك مسؤولا لا يعني هنا سوى كونك جديرا بأن تكون هذا المسؤول فحسب . فالإنسان مسؤول طبيعيا من قبل أن يجعل نفسه مسؤولا ، ومن قبل أن يعتبر مسؤولا أخلاقيا . والآن ، إذا كان حقا أنّ مسؤوليتنا لصيقة بنا دائما ، بوجه أو بآخر ، فإنّ ذلك لا يترتب عليه أن نكون دائما على وفاق معها ، وحتّى بعد أن نحمل إلزاماتنا صراحة فإنّ لدينا الخيار أن نبقى مخلصين لها ، أو نخل بحقها ، تبعا لمّا إذا كنّا سوف نوجه جهدنا في نفس الاتجاه ، أو ندع أنفسنا لتأثير عوامل مضادة . ومن هنا كانت مرحلة جديدة من المسؤولية ، فبمجرد أن نتخذ قرارنا لمصلحة جانب ، أو آخر لم تعد المسؤولية الّتي نتحملها بهذا العمل موجهة نحو المستقبل ، بل هي مرتدة نحو الماضي ، فنحن منذئذ مسؤولون ، لا باعتبارنا قادرين على العمل ، بل باعتبارنا فاعلي فعل تام ، أي أنّ المسؤولية تصبح تحملا لناتج الفعل - وهكذا نصل إلى حدود العنصر الثّاني الفكرة . فعند ما ينهي المرء مهمته لا بد أن يقدم تقاريره . إنّ اللحظة الأولى من لحظات المسؤولية تلهمنا الإحساس بقوتنا ،